السوق
يُعدّ الكلور أحد أكثر العناصر وفرةً في الغلاف الحيوي، إذ يُمثّل ما يُقارب 2% من كتلة مياه المحيطات. وبلغ الإنتاج العالمي منه حوالي 50 مليون طن، مع عائدات تُقدّر بنحو 30 مليار دولار أمريكي في عام 2010. ويُستخدم ما يُقارب 2.5 مليون طن، بقيمة تقلّ قليلاً عن 1.5 مليار دولار أمريكي، في تطهير المياه. وتستخدم أكثر من 70% من محطات معالجة مياه الصرف الصحي في أمريكا الشمالية وأوروبا واليابان الكلور في هذه العملية. وتُمثّل هذه الأسواق الثلاثة أكثر من ثلثي الكلور المُستخدم في معالجة المياه على مستوى العالم، إلا أنها وصلت إلى مرحلة النضج، ولا يُتوقع لها أن تشهد نموًا. في المقابل، يزداد استهلاك الكلور بنسبة 9% سنويًا في بقية أنحاء العالم.
أطلق البنك الدولي حملةً مدتها عشر سنوات لتوفير المياه النظيفة، بميزانية استثمارية تبلغ حوالي 450 مليار دولار أمريكي، بهدف إتاحة مياه الشرب العامة لما لا يقل عن نصف سكان العالم البالغ عددهم 1.1 مليار نسمة والذين يفتقرون إليها حاليًا. وتُعدّ الصين أكبر مستثمر في محطات معالجة المياه، حيث اختارت إنشاء مرافق واسعة النطاق. أما الهند، فقد اتخذت مسارًا مختلفًا، إذ ركزت على مراكز معالجة المياه الصغيرة. ويُقدّر عدد الشركات التي تُقدّم خدماتها في جميع أنحاء العالم بنحو 20 ألف شركة، وتُعدّ آفاق النمو هائلة. وعلى الصعيد العالمي، لا تتم معالجة سوى 14% من مياه الصرف الصحي؛ وفي أمريكا الجنوبية وأفريقيا، ينخفض هذا الرقم إلى 2%. ويبلغ متوسط تكلفة الكلور 100 دولار أمريكي للمتر المكعب من مياه الشرب. وتُعدّ شركة سيمنز أكبر مُورّد لأنظمة التطهير بالكلور الغازي.
ابتكار
يُعدّ الكلور أرخص مطهر أساسي متوفر حاليًا في السوق، وله صلاحية تخزين غير محدودة، كما أنه متوفر بكثرة. مع ذلك، فهو سامّ، إذ يُلحق التعرّض لأكثر من أربعة أجزاء في المليون ضررًا بالرئتين، ورغم وجود رقابة صارمة على نقله وتداوله، إلا أن الحوادث واردة. وللأسف، لا يُجدي الكلور نفعًا ضدّ الجيارديا (طفيلي يُسبّب عدوى معوية) والكريبتوسبوريديوم (طفيلي مجهري يُسبّب الإسهال). وهما اليوم السببان الأكثر شيوعًا للأمراض المنقولة بالمياه في أمريكا الشمالية. وقد أظهرت دراسات حديثة أن استخدام الكلور يُنتج مُنتجين ثانويين (ثلاثي هالو الميثان وأحماض الهالوأستيك) معروفين بتسببهما في السرطان. ورغم أن الأوزون وفلاتر الأشعة فوق البنفسجية تُكمّل الكلور في الحدّ من المخاطر الصحية، إلا أن تكلفتها أعلى بكثير من تكلفة الكلور، وبالتالي فهي تفوق قدرة ملايين محطات المعالجة الصغيرة التي سيُطلب بناؤها في المستقبل القريب.
ماتياس سيوجرين راب مهندس مدني صناعي، خريج الجامعة الكاثوليكية في سانتياغو، تشيلي، وقد أكمل تدريبه العلمي بحصوله على ماجستير إدارة الأعمال من الجامعة نفسها. أتاح له انخراطه في مشاريع الصناعات الزراعية التعرف على ديدان الأرض. وكما ألهمت تجربته الأولى مع هذا الحيوان توم ساكي لتأسيس شركته "تيراسايكل" (Cas 52)، أدرك ماتياس أنه أمام ابتكار من شأنه أن يجنبه فخ التكاليف الباهظة للأشغال العامة. بعد البحث، خلص إلى أن المرشح الحيوي المصنوع من ديدان الأرض سيكون مثاليًا لتطوير محطات معالجة المياه الصغيرة. فهو لا يغني عن استخدام الكلور والكربون المنشط والمواد المُرَسِّبة فحسب، بل رأى فيه أيضًا فرصة لتوليد إيرادات إضافية. وهذا أحد المبادئ الأساسية للاقتصاد الأزرق.
أسس ماتياس بعد ذلك شركة Biofiltro Ltda، وهي شركة تشيلية متخصصة في توريد أنظمة معالجة المياه. وقد اختبر أنظمة معالجة المياه الهوائية القائمة على مرشح الديدان، والتي تُنقي المياه دون إنتاج رواسب. والأفضل من ذلك، أنه يُمكن معالجة الرواسب البيولوجية الناتجة عن أنظمة المعالجة التقليدية في الموقع نفسه. ونظرًا لأن إنتاج الغاز الحيوي من هذه الرواسب لا يكون مجديًا تجاريًا إلا على نطاق واسع، فإن المرشح الحيوي القائم على ديدان الأرض يُعد بديلاً مثاليًا للمنشآت الصغيرة التي تُمثل الجزء الأكبر من الطلب العالمي. وقد فازت الشركة لاحقًا بجائزة "أفضل شركة ناشئة خضراء" لعام 2011 من مؤسسة تشيلي وشركة UDD Ventures، ذراع رأس المال الاستثماري لجامعة Universidad del Desarrollo الخاصة.
التدفق النقدي الأول
المنافس الرئيسي للمرشح الحيوي هو الحمأة المنشطة، التي تستحوذ على نحو 95% من السوق. ومع ذلك، أكد أول مشروعين تجاريين على نطاق واسع أن تكلفة الاستثمار أقل بنسبة 30%، والأهم من ذلك، أن نفقات التشغيل انخفضت بنسبة 70%، ويعود ذلك أساسًا إلى انخفاض تكاليف الكهرباء بنسبة 66%. علاوة على ذلك، يتطلب كل متر مكعب في المتوسط بوليمرات وعوامل تلبيد، وهو ما لا يحتاجه نظام الترشيح الحيوي. كما أن كل محطة تقليدية لمعالجة مياه الصرف الصحي تُنتج 500 غرام من الحمأة لكل متر مكعب مُعالج، بينما لا يُنتج هذا النظام أي حمأة. ويُقلل النظام من متطلبات العمالة، مما يسمح لحوالي 15000 دودة أرض لكل متر مربع بالعمل على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع.
ومن الفوائد الإضافية أن كل متر مكعب من المياه المعالجة يُنتج 60 غرامًا من الدبال، وهو منتج ثانوي يتزايد الطلب عليه. وبينما استُخدمت ديدان الأرض طبيًا في الصين، فقد أثبتت دراسات عديدة استخدامها كمحفز لجهاز المناعة لدى المرضى الذين يخضعون للعلاج الكيميائي أو المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية. ويُعدّ الجمع بين انخفاض التكاليف وزيادة الإيرادات عاملًا حاسمًا، مما يمنح تقنية المرشحات البيولوجية البسيطة والأساسية إمكانات سوقية قوية.
الفرصة
يشهد سوق محطات معالجة المياه الصغيرة ازدهارًا ملحوظًا. ومع تزايد الضغط لإنتاج المزيد من مياه الشرب، تُعدّ مياه الصرف الصحي من أبرز المصادر الأولية. ففي تشيلي، حيث تُعالج 85% من مياه الشرب العامة، لا تزال قيمة سوق معالجة مياه الصرف الصحي تبلغ 450 مليون دولار. أما سوق معالجة مياه الصرف الصناعي، فيتجاوز 1.5 مليار يورو، مدفوعًا باللوائح الجديدة الخاصة بمصانع النبيذ ومحطات معالجة سمك السلمون. ويُعدّ قطاع التعدين مرشحًا رئيسيًا آخر لمحطات معالجة المياه باستخدام المرشحات الحيوية القائمة على ديدان الأرض. وبفضل قدرة ديدان الأرض على التكيف السريع مع مختلف أنواع النفايات ومستويات السمية التي تميز كل صناعة، يُمكن ضمان الأداء الأمثل دون الحاجة إلى الهندسة الوراثية أو استخدام المواد الكيميائية.
أطلق أرسطو على ديدان الأرض اسم أمعاء الأرض؛ ويبدو الآن أن هذا الحيوان، الذي لا يستطيع معظم الناس التمييز بين رأسه وذيله، هو مصدر مياه الأرض. في حين أن التطبيق على نطاق واسع سيفرض وفورات الحجم التي لا تُعدّ مثالية لعملية بيولوجية، فإن المعالجة على نطاق صغير تُتيح فرصة مثالية لريادة الأعمال. يُوسّع ماتياس بالفعل عملياته في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية ويُؤسس شركته الأولى في الهند، ونأمل أن يحذو حذوه الكثيرون.

