السوق
في عام ٢٠٠٩، تخلص العالم من حوالي ٤٠ مليار بطارية صغيرة، مما زاد الطلب على المعادن النادرة. يُعد الكوبالت عنصرًا أساسيًا في البطاريات القابلة لإعادة الشحن، ولن تعمل سيارة بريوس الهجينة بدون النيوديميوم. ورغم صغر حجم الوحدات، إلا أن حتى التغيرات الطفيفة في الطلب على المعادن النادرة قد تؤدي إلى ارتفاع أو انخفاض الأسعار بشكل كبير. تواجه الصناعات حالة من عدم اليقين بشأن الإمدادات المستقبلية، وتتخذ إجراءات احترازية، إذ من المتوقع أن يصل الطلب على بطاريات أجهزة السمع، وأجهزة تنظيم ضربات القلب، والهواتف المحمولة، ومشغلات MP3، والساعات إلى ١٠٠ مليار وحدة سنويًا على مستوى العالم خلال ثلاث إلى خمس سنوات. نتوقع أن تصل قيمة سوق التجزئة إلى ١٠٠ مليار يورو سنويًا.
يتزايد الطلب على هذه المعادن النادرة مدفوعًا بإدخال "التقنيات الخضراء" مثل توربينات الرياح والبطاريات الصديقة للبيئة. يُضاف إلى ذلك تزايد إقبال المستهلكين الصينيين على هذه المواد النادرة، ويتوقع الخبراء انكماشًا حادًا في الطلب خلال العقد القادم. يأتي معظم المعروض من الرينيوم والكوبالت والنيوديميوم والساماريوم من عدد محدود من المناجم الواقعة في مناطق نائية من منغوليا الداخلية وسيبيريا وجمهورية الكونغو، مما يجعلها عرضة لظروف مناخية قاسية وعدم استقرار سياسي. في هذا السياق، ليس من المستغرب أن تستثمر صناديق رأس المال المخاطر بكثافة في تطوير مجموعة واسعة من البطاريات الخضراء المبتكرة.
ابتكار
لا تُعدّ البطاريات الخضراء حلاً للتحديات المذكورة، بل هي مرحلة انتقالية. فبينما تستبدل مصادر الطاقة النظيفة الكادميوم والزئبق بالليثيوم والنيكل، تعتمد هذه البطاريات التي يُفترض أنها صديقة للبيئة، والتي تُلحق ضرراً أقل بالبيئة وتُشكّل مخاطر أقل على صحتنا، على كميات ضئيلة من عناصر أرضية نادرة تتطلب عمليات تعدين وصهر، وتُنتج انبعاثات كربونية تُساهم في تغير المناخ.
تقدم الابتكارات الحديثة في مجال إمداد الطاقة من معهد فراونهوفر (ألمانيا)، أحد المراكز الرائدة عالميًا في البحوث التطبيقية، نهجًا مختلفًا. فقد صمم بيتر سبيس وزملاؤه هاتفًا محمولًا يعمل بدون بطاريات. يوفر فرق درجة الحرارة بين الجسم والهاتف طاقة كافية لإبقاء الهاتف في وضع الاستعداد. ويتم تشغيل المكالمة عن طريق تحويل الموجات الصوتية الناتجة عن الكلام إلى تيار كهربائي بواسطة جهاز كهرضغطية، طالما أننا نتحدث. وكلما زاد الكلام، طالت مدة المكالمة. هذا علم قائم حقق نجاحًا باهرًا، حيث صمم الفريق نفسه أجهزة هاتفية تستهلك طاقة أقل.
بصرف النظر عن هذا البحث، أثبت خورخي رينولدز، أحد مخترعي جهاز تنظيم ضربات القلب، قدرته على تقليل مقاومة التيار الكهربائي، مستلهمًا ذلك من إنتاج وتوزيع الطاقة الكهربائية باستخدام أسلاك الكربون النانوية. في السابق، كان يُنظر إلى الحوت على أنه كلب. لذا، وللحفاظ على نفس مستوى قوة النبض، كان على قلب الحوت تحسين توصيله للتيار، وقد نجح في ذلك بيولوجيًا. إن الجمع بين تقليل المقاومة، كما تصوره رينولدز، وتقليل متطلبات الطاقة، كما أثبته معهد فراونهوفر، هو ما يسمح بإعادة تعريف الطاقة للإلكترونيات المصغرة، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى الاستغناء عن البطاريات.
التدفق النقدي الأول
يتطلب طرح جهاز تنظيم ضربات القلب الجديد الخالي من البطاريات سنوات من البحث، واستثمارات رأسمالية ضخمة، وربما عقدًا من الزمن للحصول على الموافقات الحكومية. كما أن الاستغناء عن البطاريات في الهواتف المحمولة يستلزم تغييرًا جذريًا في إدارة سلسلة التوريد، وهو ما لا يُعد حلاً عمليًا على المدى القصير. لذا، شكّلت شركة رينولدز فريقًا في آسيا وأمريكا اللاتينية لإطلاق ابتكاراتها في السوق. أول هذه الابتكارات هو جهاز لاسلكي لقياس درجة حرارة الجسم، يعمل بدون بطاريات. يتمتع هذا الجهاز بإمكانيات سوقية هائلة، ولا يُنافس الأجهزة الإلكترونية الموجودة حاليًا.
من المعروف أن درجة حرارة جسم المرأة ترتفع أثناء الإباضة. يمكن استخدام لاصقة بسيطة تُثبّت على الملابس الداخلية لقياس درجة حرارة الجسم ومقارنتها ببيانات مُسجّلة على موقع إلكتروني خاص. إذا ارتفعت درجة الحرارة بأكثر من نصف درجة مئوية مقارنةً بالمتوسط اليومي، فهذا يُشير بدرجة عالية إلى حدوث الإباضة. تعتمد وسائل منع الحمل اليوم بشكل أساسي على التحكم الكيميائي عبر حبوب منع الحمل. يُتيح هذا الابتكار الذي لا يحتاج إلى بطاريات تحكمًا بسيطًا وغير جراحي في السلوك الاجتماعي دون استخدام مواد كيميائية.
الفرصة
أصبح استخدام البطاريات معيارًا شائعًا، ويتعامل معه معظم مصممي المنتجات كأمرٍ مُسلّم به. تُمثّل الساعات شريحةً واسعةً من هذا القطاع. مع ذلك، تميل الساعات التي لا تعمل بالبطاريات إلى أن تكون باهظة الثمن وتعتمد على عددٍ أكبر من الأجزاء، مما يزيد من تكاليف التجميع، بينما تعمل الساعات التي تعمل بالبطاريات ببضعة مكونات إلكترونية فقط. لذا، تُعدّ الساعات التي لا تعمل بالبطاريات هدفًا طويل الأمد.
تكمن إمكانية دخول سوق الأجهزة الإلكترونية التي تعمل بدون بطاريات في تطبيقات الإلكترونيات الدقيقة المحمولة عالية الجودة، حيث تكون تكلفة الكهرباء لكل كيلوواط ساعة مرتفعة وحجم البطارية غير عملي. أول سوق يتبادر إلى الذهن بعد هذا الطرح هو سوق أجهزة السمع. تتجاوز تكلفة الكيلوواط ساعة 100 يورو، بينما يصل سعر جهاز السمع إلى 2000 يورو. هذه التكلفة المرتفعة تجعل من الممكن تصميم بديل لمصدر طاقة البطارية الذي يعمل بفرق درجة حرارة الجسم. يوضع جهاز السمع خارج الجسم، بينما يتم توجيه مولد النبضات داخل الأذن. يسمح هذا بتبادل حراري قوي بما يكفي لتشغيل الجهاز الصغير. هذا الجهاز الذي يعمل بدون بطاريات أخف وزنًا وأقل وضوحًا وأقل تكلفة. هذه تحسينات كبيرة مقارنة بالمعيار الحالي، الذي يُعد مكلفًا للغاية.
ثم صمّم رينولدز جهازًا محمولًا لتخطيط كهربية القلب (ECG) يراقب نبضات القلب لمدة 24 ساعة باستخدام لاصقة بسيطة، مزودًا بإلكترونيات متطورة تتيح قراءة معدل ضربات القلب على مدار 24 ساعة دون الحاجة إلى بطاريات أو أسلاك. تخيّل لو كان بإمكان أي شخص مراقبة حالة قلب أفضل الدراجين في سباق فرنسا للدراجات القادم عبر الإنترنت أثناء مرورهم بجبال الألب.
أصبح الاستغناء عن البطاريات تمامًا واقعًا ملموسًا. ولأن هذه التقنيات الأساسية مفتوحة المصدر، فإنها توفر منصةً لرواد الأعمال، دون إثقال كاهل بيئتنا بعمليات التعدين والصهر والتخلص من النفايات السامة، بتكلفة أقل وبسهولة أكبر. هذا نموذج أعمال جديد وتنافسي قيد التطوير، قد يُلهم شركات التعدين والبطاريات لإطلاق مبادرة تعدين حضري حقيقية لإغلاق حلقة إعادة التدوير.

